الشيخ محمد رشيد رضا

191

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالقسط أي العدل ، ولا تكونوا من المطففين ( الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) أي ينقصون الكيل والوزن وهم الذين توعدهم اللّه بالويل والهلاك في أول السورة التي سميت باسمهم . فهذا هو النهي المقابل للامر بالايفاء وهو لازم له ، فالجملة موجزة فكلمة بالقسط هي التي بينت أن الايفاء يجب أن يكون من الجانبين في الحالين أي أوفوا مقسطين أو ملابسين للقسط متحرين له وهو يقتضي طرفين يقسط بينهما ، فدل على أنه يجب على الانسان أن يرضى لغيره ما يرضاه لنفسه ، وأين الذين يدعون اتباع الآن في هذا الزمان من هذه الوصية ! لا تكاد تجد في المائة منهم في مثل بلادنا هذه بائعا يوفي الكيل والميزان لمبتاع يسلم الامر له ويرضى بذمته ( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) هذه جملة مستأنفة لبيان حكم ما يعرض لأهل الدين والورع من الامر بالقسط في الايفاء فان إقامة القسط أمر دقيق جدا لا يتحقق في كل مكيل وموزون إلا إذا كان بموازين كميزان الذهب الذي يضبط الوزن بالحبة وما دونها ، وفي التزام ذلك في بيع الحبوب والخضر والفاكهة حرج عظيم يخطر في بال الورع السؤال عن حكمه ، فكان جوابه أن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله بأن تأتيه بغير عسر ولا حرج ، فهو لا يكلف من يشترى أو يبيع ما ذكر من الأقوات ونحوها أن يزنه ويكيله بحيث لا يزيد حبة ولا مثقالا بل يكلفه أن يضبط الوزن والكيل له أو عليه على حد سواء بحسب العرف بحيث يكون معتقدا أنه لم يظلم بزيادة ولا نقص يعتد به عرفا ، وقاعدة اليسر وحصر التكليف بما في وسع المكلف وما يقابله من رفع الحرج ونفي العسر ، من أعظم قواعد هذا الشرع المبني على أقوى أساس من الحق والعدل فلا يساويه فيه قانون من قوانين الخلق ، ولو عمل المسلمون بهذه الوصية لاستقامت أمور معاملتهم وعظمت الثقة والأمانة بينهم ، وكانوا حجة على غيرهم من المطففين والمفسدين وما فسدت أمورهم وقلت ثقتهم بأنفسهم ، وحل محلها ثقتهم بالأجانب الطامعين فيهم الا بترك هذه الوصية وأمثالها ، ثم تجد بعض المارقين الجاهلين منهم يهذون ويقولون إن ديننا هو الذي أخرنا وقدم غيرنا ! ! وقد قص التنزيل علينا فيما قص من أنباء الأمم لنعتبر ونتعظ بها أنه تعالى هلك قوم شعيب بما كان من ظلمهم وفسادهم ولا سيما التطفيف في الكيل الميزان وقال الرسول ( ص ) لأصحاب الكيل والميزان « انكم وليتم أمرا